الشيخ الحصري علم القراء وغرة أهل الأصطفاء

[الشيخ الحصري علم القراء وغرة أهل الأصطفاء]

نعيش اليوم مع علم من أعلام القرآن واسم فريد بين أهل العلم والعرفان، إنه فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري شيخ عموم المقارئ المصرية، العالم المحقق المدقق الأمين، الساطع بالقرآن، المترجم للأحكام، والحافظ للقراءات، والمدقق للرويات، صاحب الجمع الثاني للقرآن فإذا كان الصدر الأول للإسلام جمعه مكتوبا فالحصري جمعه مسموعًا، ولقد تهيئ للشيخ الحصري من الله الاصطفاء والعطاء الرباني ما لم يتهيئ لغيره، فالاصطفاء يكون للزمان كرمضان، وللمكان كالمدينة ومكة، وللإنسان للأنبياء والأولياء والعلماء والقراء، ولقد خصَ اللهُ الشيخ الحصري بصطفائه محسنًا وللقرآن حافظًا ولأحكامه معلمًا، فهو نموجٌ لأهلِ الاصفاءِ لكون الله جعل اصفائه مقرونًا بكتابهِ الكريمِ وكلامهِ العظيمِ يقول تعالى : {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، والإمام الحصري وصل لهذه الرتبة بالإخلاص لله والزهد والورع والحب لكتابه والتفاني فيحفظه وخدمته، فعندما فُتحت إذاعةُ القرآن الكريم خصةُ اللهُ بتسجيلِ القرآن كاملا وبروياتٍ متعددةٍ بعدما أحجمَ بعضُ القراءِ الكبار لاختلافهم حول الأجر المادي الذي تعطيه الإذاعة لهم من ناحية أو خوفًا من عزوفِ الناسِ عن سماعهم وجهًا لوجه والاستغناء عن صوتهم بما يسمعونه في المذياع فينقطع مورد رزقهم من ناحية أخرى.. وكان "الشيخ الشعراوي: يقول: إن أردت أحكاما للقرآن محكمة فسمع الشيخ الحصري. 
وُلد رحمه في غرة ذي الحجة سنة 1335 هـالموافق 17 سبتمبر من عام 1917 في قرية شبرا النملة التابعة لطنطا بمحافظة الغربية بمصر. وكان والده قبل ولادته قد انتقل من محافظة الفيوم إلى هذه القرية التي ولد فيها. أدخله والده الكتاب في عمر الأربع سنوات ليحفظ القرآن وأتم الحفظ في الثامنة من عمره. كان يذهب من قريته إلى المسجد الأحمدى بطنطا يوميا ليحفظ القرآن وفي الثانية عشر انضم إلى المعهد الديني في طنطا. ثم تعلم القراءات العشر بعد ذلك في الأزهر الشريف.
ولقد تتلمذ الشيخ الحصري على الشيخ المقرئ إبراهيم بن أحمد سلام المالكي، شيخ القراء والإقراء بالجامع الأحمدي بطنطا، والشيخ علي محمد حسن إبراهيم الضباع الشافعي الخلوتي، شيخ القراء بالديار المصرية، الشيخ عامر السيد عثمان وهو شيخ القراء بالديار المصرية ومكانه ومكانته بين كبار القراء محفوظة وأسانيده عالية، و الشيخ عبد الفتاح عبد الغني محمد القاضي رئيس لجنة تصحيح المصاحف بالأزهر الشريف.
ولقد تفرغ الشيخ الحصري لقراءة القرآن ومدارسة علومه حتى وصل إلى شيخ عموم المقارئ المصرية،، كما عين مراجعا ومصححا للمصاحف بلجنة مراجعة المصاحف وتصحيحها بالأزهر الشريف ثم نائبا للرئيس اللجنة ثم رئيسا لها بعد ذلك.، كما عين خبيرا بمجمع البحوث الإسلامية لشئون القرآن بالأزهر الشريف، كما عين مستشارا فنيا لشئون القرآن الكريم بوزارة الأوقاف، وفي عام 1966م اختاره اتحاد قراء العالم الإسلامى رئيسا لقراء العالم الإسلامي بمؤتمر "اقرأ" بكراتشي بباكستان. وكل هذه المناصب العلمية الرفيعة تدلل على رسوخه العلمي وتمكنه الفني من قراءة القران وعلوم القراءات المختلفة، فالرجل هو أول من سجل المصحف المرتل في أنحاء العالم برواية حفص عن عاصم وظلت إذاعة القرآن الكريم تقتصر على إذاعة صوته منفردا لمدة طويلة حتى أطلق الناس عليها إذاعة الشيخ الحصري، كما أنه أول من سجل المصحف المرتل في أنحاء العالم برواية ورش عن نافع، و برواية قالون ورواية الدوري د. وكذا أول من سجل المصحف المعلم في أنحاء العالم (طريقة التعليم). وكذلك المصحف المفسر (مصحف الوعظ)، وهو أول من رتل القرآن الكريم في أنحاء العالم الإسلامي في مقرالأمم المتحدة، و في القاعة الملكية وقاعة هايوارت المطلة على نهر التايمز في لندن ودعاه مجلس الشئون الإسلامية إلى المدينتين البريطانيتين ليفربول وشيفلد ليرتل أما الجاليات العربية والإسلامية، كما أن الشيخ الحصري عالم متفرد في علم القراءات وله أكثر من عشر مؤلفات في هذا الشأن منها "أحكام قراءة القرآن الكريم" و "القراءات العشر من الشاطبية والدرة"، و "معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء"، و"الفتح الكبير في الاستعاذة والتكبير"، و "أحسن الأثر في تاريخ القراء الأربعة عشر"، و "مع القرآن الكريم"، و "قراءة ورش عن نافع المدني"، و "قراءة الدوري عن أبى عمرو البصري"، و "نور القلوب في قراءة الإمام يعقوب"، و "السبيل الميسر في قراءة الإمام أبى جعفر"، و "حسن المسرة في الجمع بين الشاطبية والدرة"، و "النهج الجديد في علم التجويد"، بالإضافة لكتابه "رحلاتى في الإسلام" والذي يسجل فيه الكثير من مشاهدته في سفرياته المتعددة خارج القطر المصري وهو يجوب العالم سفير للقرآن وعالم من علماء الإسلام.
كما كان الشيخ الحصري كان صاحب حال مع الله، و كان يوصي أبنائه دائمًا بقضاء حوائج الناس خاصة أهل القرآن، وهو يُعد أول من سعى في إنشاء نقابة للقراء لخدمة أهل القرآن، وكان يحزنه أن يرى قارئًا للقرآن يلبس ثيابًا بالية أو غير لائقة، وحدث أكثر من مرة أن يجد من هو واقف على بابه منتظرًا عودته لقضاء حاجة، وعندما يجد الشيخ الحصري رثاثة ثيابه وعمامته يقوم بخلع الجبة والقفطان اللذين يرتديهما ويعطيهما لذلك القارئ أو الشيخ الفقير؛ ويهرول داخلًا إلى صحن بيته بملابسه الخاصة، والتي كان يحرص أن تكون كاسية لجميع بدنه تحسبًا لمثل هذا الموقف. ولقد وقفت على كرامات للرجل أذكر واحدة منها أن الأستاذ "عبد المنعم مُقرب" كان يعمل مدرساً في التربية والتعليم في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ذهب إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج وأثناء تأدية المناسك فقدت حقيبة أمواله، فجلس في المسجد الحرام مهموماً، فإذا به يرى الشيخ الحصري يُقبل عليه من عند الطواف وكان يعرفه فهما من سن واحدٍ وأبناء قريةٍ واحدةٍ فأخبرةُ بفقدانِ مالهِ فقام الشيخُ الحصري بإعطاءه بعضَ المالِ يكفيه في سفره هذا ويجعله يشتري هدايا لأهله ومحبيه، و وعد الأستاذ "عبد المنعم" الشيخَ الحصري بأنه بعد عودته إلى مصر سوف يذهب إليه ليرد له المبلغ، وفعلا عاد الأستاذ "عبد المنعم" إلى مصر وبعد الراحة والانتهاء من استقبال الزائرين والمهنئين إنطلق إلى القاهرة ليرد المبلغ للشيخ الحصري وعندما دخل على الشيخ الحصري هش له وأكرمه وبعد إنتهاء واجب الضيافة قال الأستاذ عبد المنعم : شكرا مولانا الشيخ الحصري على ما قمت به معي في الحج ومد يده بالنقود للشيخ الحصري، فقال له الشيخ الحصري: ما هذا ؟! قال أستاذ عبد المنعم : هذه هي النقود التي استلفتها من فضيلتكم في الأراضي المقدسة، فقال له الشيخ : أنا لم أعطك شيئا كما أنني لم أسافر للأراضي المقدسة في توقيت سفرك هذا ولم أحج هذا العام، فقال له الرجل: بل أنت من أعطيتني هذا المال في الحرم وبالقرب من الكعبة، دخل الشيخ الحصري إحدى الغرف ثم عاد بجواز سفرة ليثبت للرجل أنه لم يسافر ، فكانت الدهشة من الأستاذ عبد المنعم ، فقال له الشيخ الحصري: (استر علينا وعليك يا شيخ عبد المنعم).
كما كان فضيلة الشيخ الحصري كان حريصا في أواخر أيامه على تشييد مسجد ومعهد دينى ومدرسة تحفيظ بمسقط رأسه قرية شبرا النملة. أوصى في خاتمة حياته بثلث أمواله لخدمة القرآن الكريم وحُفَّاظه، والإنفاق في كافة وجوه البر. توفى مساء يوم الإثنين 16 محرم سنة 1401 هـ الموافق 24 نوفمبر 1980 بعد صلاة العشاء بعد أن امتدت رحلته مع كتاب الله الكريم ما يقرب من خمسة وخمسين عامًا.
بقلم :
الشيخ أحمد ربيع الأزهري
من علماء الأزهر وأئمة وزارة الأوقاف
الباحث في التاريخ والمنهج الأزهري
نشر هذا المقال مختصرا بجريدة الأهرام يوم الثلاثاء 16 رمضان 1440هـ - 21 مايو 2019م، السنة 143 - العدد 48378. صفحة رقم (14).

Comments

Popular posts from this blog

Doa yang dianjurkan untuk dibaca di bulan Ramadan, khususnya menjelang berbuka

𝗠𝗘𝗡𝗚𝗔𝗡𝗚𝗞𝗔𝗧 𝗧𝗔𝗡𝗚𝗔𝗡 𝗠𝗘𝗡𝗚𝗔𝗠𝗜𝗡𝗞𝗔𝗡 𝗗𝗢𝗔 𝗞𝗘𝗧𝗜𝗞𝗔 𝗞𝗛𝗔𝗧𝗜𝗕 𝗕𝗘𝗥𝗗𝗢𝗔

Cara tadarus al-Qur’an